الجصاص

509

أحكام القرآن

وسعى في الأرض فسادا وتاب من قبل أن يقدر عليه ، فكتب علي رضي الله عنه إلى عامله بالبصرة : " إن حارثة بن بدر حارب الله ورسوله وتاب من قبل أن نقدر عليه ، فلا تعرضن له إلا بخير " ، فأطلق عليه اسم المحارب لله ورسوله ولم يرتد وإنما قطع الطريق . فهذه الأخبار وما ذكرنا من معنى الآية دليل على أن هذا الاسم يلحق قطاع الطريق وإن لم يكونوا كفارا ولا مشركين ، مع أنه لا خلاف بين السلف والخلف من فقهاء الأمصار أن هذا الحكم غير مخصوص بأهل الردة وأنه فيمن قطع الطريق وإن كان من أهل الملة . وحكي عن بعض المتأخرين ممن لا يعتد به أن ذلك مخصوص بالمرتدين ، وهو قول ساقط مردود مخالف للآية وإجماع السلف والخلف . ويدل على أن المراد به قطاع الطريق من أهل الملة قوله تعالى : ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ) . ومعلوم أن المرتدين لا يختلف حكمهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما تسقطها عنهم قبل القدرة ، وقد فرق الله بين توبتهم قبل القدرة أو بعدها . وأيضا فإن الاسلام لا يسقط الحد عمن وجب عليه ، فعلمنا أن المراد قطاع الطريق من أهل الملة وأن توبتهم من الفعل قبل القدرة عليهم هي المسقطة للحد عنهم . وأيضا فإن المرتد يستحق القتل بنفس الردة دون المحاربة ، والمذكور في الآية من استحق القتل بالمحاربة ، فعلمنا أنه لم يرد المرتد . وأيضا ذكر فيه نفي من لم يتب قبل القدرة عليه ، والمرتد لا ينفى ، فعلمنا أن حكم الآية جار في أهل الملة . وأيضا فإنه لا خلاف أن أحدا لا يستحق قطع اليد والرجل بالكفر ، وإن الأسير من أهل الردة متى حصل في أيدينا عرض عليه الاسلام فإن أسلم وإلا قتل ولا تقطع يده ولا رجله . وأيضا فإن الآية أوجبت قطع يد المحارب ورجله ولم توجب منه شيئا آخر ، ومعلوم أن المرتد لا يجوز أن تقطع يده ورجله ويخلى سبيله بل يقتل إن لم يسلم ، والله تعالى قد أوجب الاقتصار بهم في حال على قطع اليد والرجل دون غيره . وأيضا ليس من حكم المرتدين الصلب ، فعلمنا أن الآية في غير أهل الردة . ويدل عليه أيضا قوله تعالى : ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) [ الأنفال : 38 ] وقال في المحاربين : ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ) فشرط في زوال الحد عن المحاربين وجود التوبة منهم قبل القدرة عليهم ، وأسقط عقوبة الكفر بالتوبة قبل القدرة وبعدها . فلما علم أنه لم يرد بالمحاربين أهل الردة ، فهذه الوجوه التي ذكرناها كلها دالة على بطلان قول من ادعى خصوص الآية في المرتدين . فإن قال قائل : قد روى قتادة وعبد العزيز بن صهيب وغيرهما عن أنس قال : قدم على النبي صلى الله عليه وسلم أناس من عرينة ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو خرجتم إلى ذودنا فشربتم